التوترات التي انفجرت مؤخراً داخل قمة السلطة الانتقالية في السودان، من خلال تداخل ملفات إدارية ومالية وسياسية بين مجلس الوزراء وبعض أعضاء مجلس السيادة، على خلفية قرارات متباينة تتعلق بإدارة العاصمة، والإنفاق العام، وضبط الأداء التنفيذي خلال فترة الحرب، أظهرت وجود بذرة للإشكاليات المزمنة بين مستويات أجهزة الدولة، في وقت يتوقع فيه السودانيون أن توحد معركة الكرامة المسؤولين في تلك الأجهزة.
الملف لا يقف عند حدود خلاف إداري عابر، بل يلامس سؤالاً أعمق حول طبيعة العلاقة بين المؤسستين التنفيذية والسيادية، وحدود الصلاحيات في مرحلة استثنائية.. كما تثير هذه الإشكالات، التي إذ لم يتم تداركها بعلاج ناجع وحاسم، مخاوف من أن تؤدي إلى عودة محاور الفساد التي ظلت تتربص بالدولة السودانية منذ عهد الإنقاذ إلى عهد سلطة حمدوك وقحت، وحتى الأزمة الأخيرة، التي انتهت بتعليق عمل لجنة تهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، التي يترأسها الفريق إبراهيم جابر عضو المجلس السيادي.
ظهرت الأزمة بوضوح من خلال قضيتين شغلتا نقاشات العامة والخاصة في السودان، القضية الأولى كانت الملابسات المرتبطة باستقالة عضو المجلس السيادي الانتقالي “سملى عبد الجبار المبارك”.. والقضية الثانية، وهي الأكبر، هي الخلاف بين مجلس الوزراء ولجنة تهيئة البيئة لعودة المواطنين للخرطوم!!.
استقالة سلمى عبد الجبار… أزمة شخصية أم مؤشر صراع مؤسسي؟
قضية استقالة الدكتورة سلمى عبد الجبار عضو المجلس السيادي، ربما تكون حادثة عرضية، وليست أساسية في صلب الخلاف، ولكن تزامنها مع القضية الثانية، وما أثارته من ردود أفعال تعطي مؤشراً على طبيعة الاحتكاكات والتحفّز بين الجهاز التنفيذي وعضوية المجلس السيادي، خاصة تلك العضوية المدنية التي ينظر إليها على أنها عضوية شرفية أكثر منها صاحبة مهام مؤثرة.
بالعودة إلى تلك القضية نجد أنها تتلخص في موافقة رئيس مجلس السيادة على استقالة عضو المجلس سلمى عبد الجبار التي جاءت بعد واقعة أثارت جدلاً واسعاً، تتعلق بمشادة داخل مكتب مدير أراضي الخرطوم، على خلفية رفض الأخير تمرير إجراءات بيع قطعة أرض استثمارية مجتزأة من مجمع إسلامي مملوك لوالد الدكتورة سلمى الشيخ عبد الجبار المبارك.
حيث تمسك المدير بقرار والي الخرطوم الصادر في 28 ديسمبر 2025، القاضي بإيقاف إصدار القرارات التخطيطية والأراضي لأي غرض.. أعقب تلك المشادة إيقاف المدير عن العمل ثم إعادته لاحقاً، بعدها انفجرت القضية كفضيحة سياسية تناولتها الوسائط الإعلامية!!.. وحسمتها الدولة بقبول استقالة العضو السيادي، وإعادة الموظف إلى منصبه.
ويرى الصحفي السوداني الأستاذ عزمي عبد الرازق: أن مشكلة سلمى عبد الجبار تشير إلى أزمة أعمق من مجرد تجاوزات إدارية وخلاف مع موظف تمسك بالقانون واللوائح، وأن الواقعة في حد ذاتها تعرضت لتضخيم مقصود، حيث يقول: إن مثل هذه الوقائع تتكرر يومياً في دواوين الدولة، وبصورة أسوأ، لكنه مع سلمى تضخيم لواقعة قابلة للتسويق، وهى عندما تنفجر هكذا كالقنبلة الدخانية، وتتصاعد بموجة إعلامية مصنوعة، فهنالك مصيبة تحدث في مكان أخر، يريدون التغطية عليها بهذا الغبار المصنوع، أو بالأحرى أقرب إلى صناعة حدث”.. ويضيف: “القضية، في عمقها، ليست قصة قطعة أرض؛ إنها قصة ميزان مختل، يُقاس فيه حجم الخطأ بقدرة صاحبه على الرد، وليس بحجم المخالفة نفسها”.
بينما ينظر الكاتب الصحفي الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد، إلى جانب إيجابي في القضية، وهو “ارتفاع حساسية الرأي العام ضد أي تجاوز للعمل المؤسسي في الدولة” ويقول إن “أقوى برلمان رقابي في زمان الفضاء الإسفيري هو الشعب الذي يتابع حالة التايم لاين ويكفي أن الأغلبية العاقلة لم تعد صامتة في زمان الفيس والواتس وتطبيقات الإعلام الجديد عجائب الدنيا في هذا الزمان”.
قضية اللجنة العليا .. من يدير من ؟!
في 16 يوليو 2025 أصدر الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي قراراً بتشكيل لجنة قومية عليا لتهيئة ولاية الخرطوم للعودة العاجلة للمؤسسات الاتحادية والمواطنين. وعملت اللجنة على استعادة خدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء، كما نشطت في إعمار المرافق الحكومية بما في ذلك مطار الخرطوم، إضافة إلى إبعاد التشكيلات العسكرية من الأحياء السكنية.
ويوم الثلاثاء الماضي رشحت الأخبار بصدور قرار، من البرهان، بحل اللجنة، بينما خرج الفريق إبراهيم جابر ينفي حل اللجنة ويؤكد تعليق أعمالها..
جاءت هذه التطورات السريعة عقب حديث طويل تحت الأرض عن صراعات مكتومة بين منتفذين في مجلس الوزراء، وأعضاء في السيادي، على خلفية هذه اللجنة وعلى خلفية قضايا عقود وتمويل مثيرة للجدل، على رأسها قضية “عقد صيانة كبري الحلفايا” والمبالغ الدولارية الكبيرة التي رتبها العقد على الدولة.. ولكن أول صعود للخلاف إلى السطح، كان بتسريب توجيهات صدرت عن مكتب رئيس الوزراء كامل إدريس لوزرائه بعدم المشاركة في أي لجان أو آليات مشتركة، باستثناء تلك التي يرأسها عبد الفتاح البرهان، في خطوة وصفت بأنها خروج للخلاف المكتوم إلى العلن.. وبعدها خرج عضو المجلس السيادي، رئيس اللجنة العليا إبراهيم جابر بتصريحات نارية عدد فيها إنجازات اللجنة، وكشف فيها عن وجود وزارات استأجرت مقرات بالنقد الأجنبي في العاصمة دون علم اللجنة العليا لتهيئة عودة المواطنين إلى الخرطوم. وشدد في تصريحات صحافية، على عدم تهاون اللجنة مع أي تبديد للمال العام في ظل الحاجة الماسة للموارد المالية لمقابلة مصروفات “حرب الكرامة” واحتياجات المواطنين، مشيرا إلى سعي القيادة الجاد لاستئصال الفساد بكل أشكاله.
ورداً على أثير حول عقد صيانة كبرى الحلفايا ذي الكلفة العالية التي بلغت 11 مليون دولار، وضح جابر أن اللجنة العليا ليس لديها لجنة مالية، بل كل الإجراءات المتعلقة بالتمويل تتم عبر الجهاز المختص في الدولة ممثلاً في وزارة المالية، مشيراً إلى أن كل الإجراءات التنفيذية تضطلع بها الأجهزة التنفيذية، وأن الوزارات المرتبطة بعمل اللجنة كلها ممثلة داخل اللجنة.
ولكن ذلك لم يقطع الجدل خصوصاً، خصوصاً بعد أن تحوّل إلى اتهامات مباشرة من الطرفين، وانتهى بإيقاف عمل اللجنة في وقت شديد الحساسية!!.
يرى الكاتب الصحفي الطاهر ساتي أن تعليلات الفريق إبراهيم جابر لا تكفي لإعفاء لجنته من المسؤولية في العقود المشبوهة المتعلقة بكبري الحلفايا، وأن التباهي بالأعمال العظيمة مع التملص من المسؤولية عن النقاط السوداء هو منطق معوج.. ويتساءل ساتي: ” يقول جابر أن اللجنة أنجزت أعمال عظيمة أسهمت في عودة الحكومة والمواطنين إلى الخرطوم، ثم يُبرئ اللجنة من تفاصيل ما حدث لكبري الحلفايا، وهنا يتجلى التناقض والمثل الشهير (الشينة منكورة)..كيف تكون اللجنة مسؤولة عن الأعمال العظيمة لحد التباهي بها، وغير مسؤولة عن صفقات الاشتباه التي من شاكلة عقد كبري الحلفايا ..؟؟.. ويستطرد: “فالمسؤول عن كشف تفاصيل الأعمال العظيمة – بما فيها حقائق كبري الحلفايا – هو إبراهيم جابر، وليس هذا الوزير أو ذلك، لأن الوزراء كانوا مجرد أعضاء في (دولة جابر) ..فالناس بحاجة لمعرفة كيف تم إنجاز المسماة بالأعمال العظيمة؟، وبشركات من تم إنجازها؟، وأين وكيف ومتى تم طرح عطاءاتها..؟؟
أما عزمي عبد الرازق، فيرى، أن الخلاف في حقيقته هو صراع حول مركز القرار، وليست مجرد قضية عقود، ويمضي إلى أبعد في كشف بعض ما يراه مخبوءً تحت غبار هذه الضجة، فيقول: ” الصراع الحقيقي لا يدور بين كامل إدريس والفريق إبراهيم جابر كما قد يبدو في ظاهر المشهد، وليس هو خلاف إداري حول لجنة أو صلاحيات. ما يحدث أعمق من ذلك؛ إنه تنازع على مركز القرار، وعلى الجهة التي تمسك بمفاتيح المرحلة الانتقالية في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد وتتشابك الطوارئ مع أسئلة السيادة”.
ويعلق عبد الرازق على توجيه رئيس الوزراء كامل إدريس بمنع الوزراء من المشاركة في أي لجان خارج الحكومة التنفيذية، بقوله “هذا التوجيه يعكس محاولة لرسم حدود فاصلة بين الحكومة التنفيذية واللجان الميدانية التي تدير ملفات ثقيلة على الأرض”.
ويخشى عبد الرازق من امتداد تداعيات القرار إلى اللجنة الوطنية العليا للطوارئ الإنسانية والصحية، وكذلك إلى ملف تغيير العملة الذي يشرف عليه جابر. ويؤكد أن عزل هذه الملفات عن الإطار التنفيذي يخلق فراغاً عملياً، ويحوّل الحكومة إلى جهاز إداري محدود التأثير، بعيداً عن مراكز الفعل الحقيقية.. ويمضي إلى تأكيد فرضية يعتقدها، حول شخصية في مجلس الوزراء، تقف وراء هذه التداعيات، ويرى أن الصراع الحقيقي بينها وبين إبراهيم جابر، وليس بين إبراهيم جابر وكامل إدريس!.. وعلى كل هي فرضية تحتاج إلى إثبات.. وفي حال ثبوتها فهذا يعني أن إشكالية مراكز القوة التي كانت في عهد البشير، وفي عهد حكومة قحت، ربما تطل مرة أخرى!.
من زاوية تحليلية، يبدو أن رئاسة الوزراء تسعى إلى منع تجاوز التسلسل الإداري، وتقليص النفوذ التنفيذي غير المباشر لبعض أعضاء السيادي، وإعادة تركيز القرار التنفيذي داخل مجلس الوزراء.
خلاف في الزمن الخطأ
في الأوقات العادية، يُنظر إلى الخلافات داخل هرم السلطة باعتبارها جزءًا من ديناميكية الحكم.. أما في الأوقات الاستثنائية، مثل هذا الوقت الدقيق، حيث وحدة السودان على المحك في ظل هذا الحرب الإقليمية التي تشن على السودان، والرهان فيها على وحدة وتماسك الصف الداخلي ككل، ناهيك عن الصف القيادي المتمثل في أجهزة الدولة، فإن أي توتر بين المجلس السيادي والجهاز التنفيذي يحمل دلالات أكبر من مجرد اختلاف إداري.
بالنسبة للسودانيين، فإن هذا الخلاف يمثل صدمة، حين يطل في هذا الوقت بالذات من معركة الكرامة، راهنت البلاد، على القتال في كل الجبهات، جبهة خطوط النار، وجبهة العمل والتعمير، وإعادة إحياء موات الأرض بعودة السكان إليها.
الخلاف في هذا التوقيت يعني أن سؤال “من يحكم فعليًا؟” لم يُحسم بصورة كاملة داخل بنية السلطة، فعندما تتداخل الأدوار بين جهة سيادية ذات طابع سياسي– أمني، وجهاز تنفيذي مسؤول عن الإدارة اليومية للدولة، فإن ذلك يعكس: تنافسًا على الصلاحيات، وحساسية تجاه النفوذ داخل مؤسسات الحكم، وإعادة تموضع داخل القمة الحاكمة.. وفي زمن الحرب، يصبح وضوح القيادة عاملًا حاسمًا في الاستقرار.
كما يحمل سؤال آخر أكثر أهمية، حول موضوع “الفساد داخل أبنية الدولة”، هل ما يثور الجدل حوله، وظهر في التصريحات الرسمية، يعبر عن وجود مؤسسي للفساد في أجهزة الدولي، أم هو مجرد حالة عارضة ناجمة عن تسيب الضبط الإداري والإجرائي؟!.
هل هو صراع أم إعادة ضبط؟
من زاوية أخرى، قد لا يكون ما يحدث صراعًا بقدر ما هو عملية إعادة تعريف للصلاحيات داخل مرحلة انتقالية معقدة.. فأحيانًا تظهر التوترات عندما تحاول مؤسسات الدولة الانتقال من إدارة الطوارئ إلى إدارة أكثر تنظيمًا، أو عندما تُعاد صياغة مراكز النفوذ.
السؤال ليس فقط: هل هناك خلاف؟.. بل: هل سيتم احتواؤه مؤسسيًا أم سيتحول إلى استقطاب علني؟!.
وفي هذه الحالة؛ إما أن تتحول هذه الاحتكاكات إلى فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات، وتوحيد مركز القرار، أو أن تتسع الفجوة بما ينعكس سلبًا على إدارة الحرب، واستعادة العاصمة، وترتيب المشهد السياسي.
