أعجبني مقال مرّ عليّ ضمن مقالات كثيرة تذخر بها الوسائط الإعلامية عن اللغة العربية وعلاقتها باللغات الأجنبية الأخرى ، وهذا الأمر من إهتماماتي الشخصية وسبق لي أن كتبت عنها في هذه المساحة أكثر من مرة ، وأثق تماماً بأنه سيجد التقدير عند كل الذين سيطّلعون عليه .. ولا أحول بين متابعي هذه الزاوية وبين المقال الجميل الذي أعدّه من أعظم الهدايا .
اللغة العربية هي أصل لغات العالم
د. مصطفى محمود
قبل يومين ، ذهبت لشقيقي الذي يكبرني ببضعة أعوام أسأله عدة أسئلة بريئة خطرت ببالي وأجهلها من قلة ثقافتي ، كنت أسأله ، هل يتكلم ربنا تعالى العربية مع الملائكة والرسل ، وبأي لغة كلّم سيدنا موسى ، وبأي لغة تكلّم الإنسان الأول آدم عليه السلام أهي العربية؟ ، وسيدنا نوح أيضاً ، ومن أين نشأت اللغات ، هل كل جماعة كانت تعبّر عن أشيائها فتوارد الأمر بين أجيالها ، وأسئلة في هذا المحيط ، لكن لم أجد إجابة شافية ، صدف وأنا أقلّب صفحات (النت) أن وجدت مقالاً للدكتور “مصطفى محمود” مقتبس من كتابه (عالم الأسرار) مقنع كثيراً جداً هذا المقال وجميل ، أترككم للاطلاع عليه ..
كانت لي وقفة طويلة منذ زمن أمام أصل اللغات وأنا أتأمل اللفظة العربية “كهف” فأجدها :
في الإنجليزية (cave)
وفي الفرنسية (cave)
وفي الإيطالية (cava)
وفي اللاتينية (cavus)
فأسأل وأنا أراها كلها واحداً .. أي لغة أخذتها عن الأخرى وأيها الأصل؟ وكان الجواب يحتاج للغوص في علم اللغويات والبحث في البحار القديمة التي خرجت منها كل الكلمات التي نتداولها ، وكان هذا الأمر يحتاج إلى سنوات وربما إلى عمر آخر .
ودار الزمان دورته ثم وقع في يدي كتاب عنوانه “اللغة العربية أصل اللغات”.. والكتاب بالإنجليزية والمؤلفة هي “تحية عبدالعزيز إسماعيل” أستاذة متخصصة في علم اللغويات ، تدرس هذه المادة في الجامعة ، إذن هي ضالتي .
وعرفت أنها قضت عشر سنوات تنقّب وتبحث في الوثائق والمخطوطات والمراجع والقواميس ؛ لتصل إلى هذا الحكم القاطع .. فإزداد فضولي وشوقي وإلتهمت الكتاب في ليلتين .
والكتاب في نظري ثروة أكاديمية وفتح جديد في علم اللغويات يستحق أن يلقى عليه الضوء ، وأن يقيّم وأن يأخذ مكانه بين المراجع العلمية المهمة .
وألفت نظر القارئ أولاً أن يمر بعينيه على الجداول الملحقة بالمقال ويلاحظ الألفاظ المشتركة بين اللغة العربية والإنجليزية ، وبين العربية واللاتينية ، وبين العربية والأنجلوساكسونية ، وبين العربية والفرنسية ، وبين العربية والأوروبية القديمة ، وبين العربية واليونانية ، وبين العربية والإيطالية ، وبين العربية والسنسكريتية ، ليشهد هذا الشارع العربي المشترك الذي تتقاطع فيه كل شوارع اللغات المختلفة ، وهذا الكم الهائل المشترك من الكلمات رغم القارات والمحيطات التي تفصل شعوبها بعضها عن بعض وأعود إلى السؤال :
لماذا خرجت المؤلفة بالنتيجة القاطعة أن اللغة العربية كانت الأصل المنبع ، وأن جميع اللغات كانت قنوات وروافد منها ؛ تقول المؤلفة في كتابها :
إن السبب الأول هو سعة اللغة العربية وغناها وضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي ؛ فاللغة اللاتينية بها سبعمائة جذر لغوي فقط ، والساكسونية بها ألفا جذر ! بينما العربية بها ستة عشر ألف جذر لغوي ، يضاف إلى هذه السعة سعة أخرى في التفعيل والإشتقاق والتركيب .. ففي الإنجليزية مثلاً لفظ (Tall) بمعنى طويل والتشابه بين الكلمتين في النطق واضح ، ولكنا نجد أن اللفظة العربية تخرج منها مشتقات وتراكيب بلا عدد (طال يطول وطائل وطائلة وطويل وطويلة وذو الطول ومستطيل .. الخ) ، بينما اللفظ الإنجليزي Tall لا يخرج منه شيء .
ونفس الملاحظة في لفظة أخرى مثل (Good) بالإنجليزية وجيد بالعربية ، وكلاهما متشابه في النطق ، ولكنا نجد كلمة جيد يخرج منها الجود والجودة والإجادة ويجيد ويجود وجواد وجياد … الخ ، ولا نجد لفظ Good يخرج منه شيء !
ثم نجد في العربية اللفظة الواحدة تعطي أكثر من معنى بمجرد تلوين الوزن .. فمثلاً قاتل وقتيل وفيض وفيضان ورحيم ورحمن ورضا ورضوان وعنف وعنفوان .. اختلافات في المعنى أحياناً تصل إلى العكس كما في قاتل وقتيل ، وهذا التلوين في الإيقاع الوزني غير معروف في اللغات الأخرى .. وإذا احتاج الأمر لا يجد الإنجليزي بداً من إستخدام كلمتين مثل Good & Very Good للتعبير عن الجيد والأجود .
وميزة أخرى ينفرد بها الحرف العربي .. هي أن الحرف العربي بذاته له رمزية ودلالة ومعنى .. فحرف الحاء مثلاً نراه يرمز للحدة والسخونة .. مثل حمى وحرارة وحر وحب وحريق وحقد وحميم وحنظل وحريف وحرام وحرير وحنان وحكة وحاد وحق .
بينما نجد حرفاً آخر مثل الخاء يرمز إلى كل ما هو كريه وسيئ ومنفر ، ويدخل في كلمات مثل : خوف وخزي وخجل وخيانة وخلاعة وخنوثة وخذلان وخنزير وخنفس وخرقة وخلط وخبط وخرف وخسة وخسيس وخم وخلع وخواء .
ونرى الطفل إذا لمس النار قال : “أخ”، ونرى الكبير إذا اكتشف أنه نسي أمراً مهما يقول : “أخ” ؛ فالنسيان أمر سيئ ، وهذه الرمزية الخاصة بالحرف والتي تجعله بمفرده ذا معنى هي خاصية ينفرد بها الحرف العربي .. ولذا نجد سور القرآن أحياناً تبدأ بحرف واحد مثل : ص ، ق ، ن ، أو ، ألم .. وكأنما ذلك الحرف بذاته يعني شيئاً .
نستطيع أن نؤلّف بالعربية جملاً قصيرة جداً مثل “لن أذهب” ومثل هذه الجملة القصيرة يحتاج الإنجليزي إلى جملة طويلة ليترجمها فيقول (I shall not go) ليعني بذلك نفس الشيء ؛ لأنه لا يجد عنده ما يقابل هذه الرمزية في الحروف التي تسهل عليه الوصول إلى مراده بأقل كلمات .
وإذا ذهبنا نتتبع تاريخ اللغة العربية ونحوها وصرفها وقواعدها وكلماتها وتراكيبها ، فسوف نكتشف أن نحوها وصرفها وقواعدها وأساليب التراكيب والإشتقاق فيها ثابتة لم تتغير على مدى ما نعلم منذ آلاف السنين ، وكل ما حدث أن نهرها كان يتسع من حيث المحصول والكلمات والمفردات كلما إتسعت المناسبات ، ولكنها ظلت حافظة لكيانها وهيكلها وقوانينها ولم تجرِ عليها عوامل الفناء والإنحلال أو التشويه والتحريف ، وهو ما لم يحدث في اللغات الأخرى التي دخلها التحريف والإضافة والحذف والإدماج والإختصار ، وتغيرت أجروميتها مرة بعد مرة .
وفي اللغة الألمانية القديمة نجد لغة فصحى خاصة بالشمال غير اللغة الفصحى الخاصة بالجنوب ، ونجد أجرومية مختلفة في اللغتين ، ونجد التطور يؤدي إلى التداخل والإدماج والإختصار والتحريف والتغيير في القواعد ، ونفس الشيء في اللاتينية وأنواعها في اليونانية وفي الأنجلوساكسونية ، ولهذا إختار الله تعالى اللغة العربية وعاء للقرآن ؛ لأنه وعاء محفوظ غير ذي عوج ، وإمتدح قرآنه بأنه (قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ).
وحدّث ولا حرج عن غنى اللغة العربية بمترادفاتها ، حيث تجد للأسد العديد من الأسماء ؛ فهو الليث والغضنفر والسبع والرئبال والهزبر والضرغام والضيغم والورد والقسورة .. إلخ .
ونجد كل إسم يعكس صفة مختلفة في الأسد ، ونجد لكل إسم ظلالاً ورنيناً وإيقاعاً .
ومن الطبيعي أن يأخذ الفقير من الغني وليس العكس ، ومن الطبيعي أن تأخذ اللاتينية والساكسونية والأوروبية واليونانية من العربية ، وأن تكون العربية هي الأصل الأول لجميع اللغات ، وأن تكون هي التي أوحيت بقواعدها وتفعيلاتها وكلماتها إلى آدم كما قال القرآن : (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا).
ولكن المؤلفة لا تكتفي بالسند الديني ، وإنما تقوم بتشريح الكلمات اللاتينية والأوروبية واليونانية والهيروغليفية ، وتكشف عن تراكيبها وتردّها إلى أصولها العربية شارحة ما جدّ على تلك الكلمات من حذف وإدماج وإختصار تفعل هذا في صبر ودأب وأناة ومثابرة عجيبة .
نحن أمام دراسة أكاديمية وفتح جديد في علم اللغويات ، تستحق صاحبته الدكتوراه الشرفية من الجامعة ، والتحية من الأزهر والإهتمام من القارئ الأجنبي والعربي ، والإلتفات من النقاد والمناقشة الجادة من الأكاديميين ؛ حتى لا يقال عن بلادنا إنها لا تقوم ولا تقعد إلا لمباريات الكرة .
من كتاب “عالم الأسرار” للدكتور “مصطفى محمود”.