متابعة – منصة السودان
كتب الشيخ الأمين عمر الأمين مقال سرد من خلاله تفاصيل مهمة قبل اندلاع الحرب بساعات في شهر رمضان من العام 2023م، حيث لبى الشيخ الأمين دعوة افطار أقامه عضو مجلس السيادة الفريق اول ركن شمس الدين كباشي، وشارك فيه عدد من قادة الجيش والدولة بقيادة رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان
وتنشر منصة السودان مقال الشيخ الأمين كما خطه..
في أيام كانت فيها الحياة هادئة، حل فيها الشهر الكريم، والناس في متعة استقبال الشهر الفضيل، كانت دعوة الإفطار في يوم جمعة لدى الفريق شمس الدين الكباشي، وكان جميع المسؤولين في نادي النيل حضورا، وكان من بينهم السيد القائد العام ورئيس مجلس السيادة، حضورا طاغي الأثر.
آنذاك لم يكن هناك شعور بأي خطر أو بوادر أزمة، عدنا إلى المسيد لمواصلة اليوم من استقبال ضيوف وقيام ليل، وفي الصباح سمعنا أصوات الرصاص، وكالعادة دارت الإشاعات من كل حدب وصوب، فتسارع الناس في الهروب نحو المعابر أو إلى الولايات، في مشهد يعكس حجم الفزع والهلع.
وفي خضم تلك الفوضى، قررت أنا ومن معي الصمود من أجل من غلبوا على أمرهم واضطروا للبقاء وسط النيران. فوقف أبنائي من الشباب معي وقفة يشهد لها التاريخ، عرضوا فيها أنفسهم للخطر. أما أنا فهو الشاهد على أنه نجاني بأعجوبة من الموت، سواء بشظايا أو برصاص طائش، وقد صدق حين قال:
﴿وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
أغلقت جميع المرافق في أم درمان القديمة، وبقي المسيد وحده منارة للخدمة الإنسانية، يقدم الطعام ثلاث وجبات يوميا، ويحتضن عيادة وصيدلية مجانية، في وقت اشتد فيه لهيب الحرب، وانتشرت فيه مظاهر القتل والنهب والاغتصاب والتشرد والذل.
المزيد من المشاركات
فأصبح كل من يعلم بأمر المسيد يقصده، ومن لم يعلم وهو في ضيق نصل إليه بما استطعنا. فبدأنا في التوثيق والنشر ليحضر المحتاجون، أو ليشارك القادرون في عمل الخير بمثله في مناطقهم الآمنة. غير أن المأساة تعاظمت، ويتمت كثير من الأسر، وبدلا من أن تعلو الأصوات مطالبة بإنقاذ الأرواح، خرجت أصوات تدعو للقتل، وتطالب بإطفاء النور الوحيد الذي كان يبدد شيئا من الظلام.
وصل الأمر إلى المطالبة بقصف المسيد بالطيران، وتوجيه أشد التهم إليه، والعجيب أن بعض الهجوم الممنهج كان بسبب أن بعضهم طلب شيئا فلم يلب، فصار المسيد في نظرهم العدو الأول، رغم أنه كان الملجأ الآمن للمستضعفين.
وكانوا يعطون أوامر للجيش، الذي كان يعلم حقيقة ما يجري. وحين دخل الجيش المنطقة وصرح الناطق الرسمي بأنهم يتابعون حركة المسيد، وأن المسيد ليس تابعا لأي جهة مسلحة، بل مؤسسة إنسانية خالصة، خابت آمالهم.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
وهكذا ظل المسيد شامخا يؤدي رسالته في زمن الانكسار، ويثبت أن الخير لا يهزم مهما تكاثرت حوله سهام الباطل، وأن الرحمة أقوى من أصوات الرصاص. وما زال الهجوم مستمرا، حينا بالسؤال: من أين لك المال الذي تنفقه؟ وحينا باتهام العمل بالرياء، وكل ذلك ما هو إلا زاد لتسيير القافلة بمزيد من الهمة.
إن الحروب قد تسرق الأمان، لكنها لا تستطيع أن تطفئ جذوة الإحسان في قلوب من شاء الله، وسيبقى استمرار العمل الصادق شاهدا على أن الإنسانية لا تموت مهما اشتدت المحن.
قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لا تستوحشن طريق الحق لقلة سالكيه.