منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الدكتور الشيخ الأمين يكتب.. (المجتمع بين التشافي وتمزيق الألسن)

متابعة – منصة السودان

 

في كل زمان حين تغيب المعاني، يعلو صخب الخلاف، فينشغل الناس ببعضهم أكثر مما ينشغلون بما يهددهم جميعآ.

فتتحول المجتمعات من ساحات تعاون وتراحم إلى ميادين جدل وتخاصم، وتصبح الكلمة وقود للفتنة، والنقل بغير تثبت شرارة تشعل الخصومات.

لذلك قال الله تعالى: (الفتنة أشد من القتل).

وهنالك من يزرع الفتنة بين الشعب السوداني بنشر مفاهيم:

أنت فلول، وأنت قحاتي، وأنت كوز، وأنت دعامي، وأنت وأنت، حتى يتفكك الشعب.

نحن في مرحلة لا بد أن ننبذ الانقسام وشخصنة المواقف، ونعيش الهم الأول “الوطن”

وأيضآ نترك القبلية والجهوية ..هذا “عبد”، وهذا “حلبي” وهذا “جلابي” ويكون همنا الوطن وبناء الوطن.

_وما نراه اليوم في مختلف مستويات المجتمع وأطيافه في السودان من نزاعات أسرية واجتماعية وتراشق بالاتهامات، ليس إلا امتدادآ لذات السلوكيات الصغيرة التي لو تُركت تنمو لأصبحت نارآ تحرق مجتمعآ بأكمله.

_وقد حذر النبي ﷺ من هذه الظواهر حين قال:

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرآ أو ليصمت)

فالكلمة الطيبة أو الصمت الحكيم يقي المجتمع من الشرور، بينما الحديث غير الموفق يسهم في نشر الفتن ووقوع الناس في الشقاق.

_إن ما يحدث ذكرني بأيام الحرب، فحتى تحت رباط الخوف الذي جمع الناس، كانت الفتنة تمشي على قدمين.

ففي أحد أيام الحرب كنا نجلس في الصباح في الخيمة في الشارع ننتظر وصول من يريد المساعدة ونستقبل الناس، فإذا بعدد من أخواتنا الجنوبيات.

كن قد لجأن إلينا أثناء الحرب طلبآ للأمان، بينهن من جاءت مسلمة، وفيهن من أسلمت وهي بيننا ومن علئ دينها، فخصصنا لهن بيتين أقمن فيهما فترة يسودها الاستقرار.

لكن في ذلك الصباح حضرن إلي في خصام شديد، وقد بلغ الغضب مبلغآ جعلهن يتحدثن بلغتهن “الرطانة”، وجلسن يحاولن أن يخبروني بما حدث، قالوا: “إنه كلام كان”، فلم أفهم سبب الخلاف إلا بعد أن أحضرنا من تجيد لغتهن.

فتبين أن أصل المشكلة كان تدخل إحداهن فيما لا يعنيها، فنقلت حديثآ وأشعلت نار الفتنة حتى تطور الأمر إلى ضرب واعتداء.

فطلبن الحكم بينهن وهن راضيات بما أقضي. وبعد سماع الأطراف، تقرر البحث لتلك التي كانت سبب الفتنة وبناتها عن منزل آخر، وأُخذ عليها عهدآ ألا تعود لمثل هذا السلوك.

وفي هذا الموقف يتجلى معنى حديث النبي ﷺ:

(ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة)

تحول المسيد ذلك اليوم إلى محكمة اجتماعية أعطت درسًا للحضور.

_إن ما نشهده اليوم في السودان من خصومات متكررة هو امتداد لهذه السلوكيات الصغيرة التي يُستهان بها، لكنها تتراكم حتى تحدث شرخآ عميقآ في المجتمع. ولو أدرك الناس خطورة الكلمة وعِظم شأن الإصلاح، لانطفأت كثير من نيران الخلاف قبل أن تتسع.

فالفتنة نائمة، لعنة الله على من أيقظها، فهي إذا انتشرت أحرقت القلوب قبل الأبدان، وأفسدت البلاد والعباد.

ولا ننسى تحذير النبي ﷺ من الخطر الأكبر، وهو الكلام السيئ الفاحش، الذي أصبح احترافآ ومهنة للبعض.

قال رسول الله ﷺ:

“ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.”

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟

فقال ﷺ:

(وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)

_لنتعلم مما حدث في حرب السودان التي شرّدت ومزّقت النسيج الاجتماعي، فالعاقبة لما حدث وما زال يحدث. فلنوحد الهدف ونبني وطنآ يجمعنا ويسعنا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.