منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

من الملاريا الي حمي الضنك الناس بين لسعتين

مقال –  امين الجاك عامر المحامي –

 أهلنا زمان قالوا:
“الليل بيغطي الجبال”،
ولحمايتنا من الملاريا في زمن الخريف، كان أهلنا، بعد صلاة العصر، يكجّوا الناموسيات في الأسرة المخصصة للنوم، استعدادًا لاستقبال الليل ومكافحة بعوض الملاريا.
في البداية، كانت الناموسيات تُصنع محليًا من أقمشة خفيفة شفافة، صناعة سودانية 100%، وأحيانًا كانت تأتينا مستوردة من مصر. وفي موسم الخريف، كانت تنشط حياكة وصناعة الناموسيات وبيع القنا وتزدهر تجارتهما في الأسواق،
لكننا، كأطفال، كنا نتمرد على النوم تحت الناموسية بحجة أنها “بتكتم النفس”. ومع تطور الصناعة، أصبحت الناموسيات تُستورد، مشبعة بالمبيدات القاتلة للبعوض، وتُباع في الصيدليات مع إرشادات طبية للاستخدام،وتصلنا أحيانًا كهبات ومنح، ما أدى إلى توقف الصناعة المحلية وتراجع تجارة وبيع الناموسيات والقنا.
في ولاية الجزيرة،المقر الدائم لبعوض الملاريا، قام مشروع النيل الأزرق الصحي لمكافحة الملاريا، وقد منحنا هذا المشروع، وقتها، شعورًا بالأمان وطعم النوم بلا ناموسية، والنوم في الهواء الطلق، دون “كتمة نفس”. لكن المشروع توقف لاحقًا.
واليوم، مع انتشار حمى الضنك، أصبحنا نخشى الصباح كما كنا نخشى الليل.
فبعوضة حمى الضنك تنشط صباحًا، وتتكاثر في المياه العذبة، وتخرج مع المزارع في “الفجرية”، تتجول في الأسواق، أماكن العمل، والمدارس، ناشرةً الرعب في كل ولايات السودان، وخاصة في الخرطوم والجزيرة.
ومع التدهور البيئي وتراكم المخلفات،وغياب معدات وأدوات المكافحة الفعّالة، بسبب الشفشفة تفشت هذه الأوبئة في صمتٍ قاتل.بعوضة الملاريا تعمل ليلًا، وبعوضة الضنك تعمل نهارًا، في تناغمٍ قاتل،تتغذى على دمائنا، وتطرب لأغانية “الطير المهاجر”، وتردد مع فنان إفريقيا الأول:
“أوعك تقيف.. وواصل الليل للصباح
تحت المطر.. وسط الرياح
وكان تعب منك جناح
في السرعة زيد”
حمى الضنك ليست جديدة، فالعالم يسجل ملايين الحالات سنويًا، ويعيش قرابة 4 مليارات إنسان في مناطق مهددة بالإصابة.
لكن وضعنا في السودان مختلف…
نعاني من انهيار شبه كامل في البنية الصحية،دمار في المنشآت، نقص حاد في أدوات المكافحة، وبيئة خصبة لتكاثر النواقل الضارة بالإنسان.
رغم كل هذا، فإن الجهد الشعبي والرسمي لا يزال حاضرًا.
ففي مدينة أم درمان التاريخية، أُطلقت حملة مشتركة بين المجتمع المحلي والجهات الرسمية لتفتيش المنازل، واكتشاف بؤر البعوض، تحت شعار:
“بالتجفيف.. الحمى تقيف”
دعوة واعية نأمل أن تعم جميع القرى والمدن.
في ظل التقارير المتزايدة عن تفشي حمى الضنك، ومع عجز القطاع الصحي عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الإصابات، نوجه نداءً إلى:
• السيد وزيرة الصحة
• السيد رئيس مجلس الوزراء (عند عودته بالسلامة لارض الوطن )
• وزير المالية
• وزير الداخلية
للتعامل مع الخطر الوبائي كأولوية وطنية عاجلة.
نطالب بقرارات شجاعة واستثنائية تشمل:
•رفع الجمارك مؤقتًا ولمدة محدودة عن كل أدوات وآليات مكافحة البعوض.
•تسهيل استيراد المبيدات، الأجهزة، والناموسيات المشبعة بالمبيدات.
•دعم المبادرات الشعبية والمجتمعية لحملات التوعية، التنظيف، وتجفيف المياه الراكدة.
•رفع الجمارك عن أدوات المعامل والمستشفيات، ومنح إعفاءات للأطباء لإعادة تأثيث عياداتهم الخاصة.
إنقاذ الأرواح لا يحتمل التأجيل.
إعادة النظر في السياسات الجمركية تجاه القطاعات الحيوية مثل الصحة، التعليم، والصناعة ليس ترفًا، بل استثمار استراتيجي في المستقبل.
ندعو لتوسيع الإعفاءات الجمركية المؤقتة لاحقًا لتشمل:
•إعادة إعمار المدارس والجامعات.
•دعم القطاع الصناعي.
•تخفيف الضغط عن المواطن.
•تعزيز العملة الوطنية.
ما نعيشه اليوم من تفشي مقلق لحمى الضنك يستوجب إعلان حالة طوارئ صحية وتنموية، وإطلاق سياسات داعمة ومحفّزة، تتكاتف فيها جهود الدولة، المجتمع المدني، القطاع الخاص، والمغتربين.
الوقت لا يسمح بالمجاملات أو الانتظار.
بل يتطلب قرارات حاسمة لحماية الأرواح، وتعافي القطاع الصحي، على أن يكون الإعفاء الجمركي أداة فاعلة في مسار أوسع لإعادة البناء، وإنعاش الاقتصاد من بوابة الصحة والاستجابة الإنسانية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.